لشيخ سعيد عبدالعظيم
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،
فلما اتُّهِمَ الصحابةُ بقتل عمرو بن الحضرمي انتقلت الآياتُ بهم إلى ما فعلوه، قال -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة:217]، لابد من تعظيمٍ للحرمات والميزان واحد نعظم به الأشهر الحرم، نعظم به الشعائر والشرائع، قالَ -سبحانه-: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:217]؛ أي ما فعلتموه أنتم أيها المشركون أعظم في ميزانِ الحقِّ من قتل عمرو بن الحضرمي، إن كان قتل عمرو بن الحضرمي جريمة، والجريمة أعظم في الشهرِ الحرام، فما فعلتموه أنتم من كفرٍ بالله، وصدٍّ عن سبيل الله، ومنعٍ للنبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام من دخول المسجد الحرامِ، هذا أكبر من قتل عمرو بن الحضرمي.
موازين شرعية، أنت تفند الشبهة، وتخرج -بإذنِ اللهِ تعالى- بريئاً من هدم القبرِ، وأنا أنا لا أنسى أنَّ الصوفية، أو حتى على الأقلِ كثرة منهم صرفواْ العبادة لغيرِ اللهِ -تبارك وتعالى-، سأقول لهم (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر: 65]، أنا لم أهدِم قبراً، وفي ذات الوقت هذا لا يمنعني من أن أقول لهم: لا تنذرواْ لغيرِ اللهِ، لا تحلفواْ بغيرِ اللهِ، اصْرِفواْ العبادةَ للهِ -جلَّ وعلا-. لا يصح بناء المسجد على قبرٍ، إلى غيْرِ ذلكَ منَ المعاني الإيمانيَّة.
أنا الذي لا أظلم نصرانياً وأتقرَّبُ إلى اللهِ بذلك، فالعدل أساسُ الملك، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أوصانا خيراً بأهلِ مِصْرَ، فلابد من حفظٍ لوصيَّةِ رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-، وهذا لا يمنعني أبداً -بل هِيَ شمولية النظرة- أن أقولَ إنَّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلام، قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلَّمَ-: (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) [رواه مسلم].
اللسانُ الذي ينطقُ بهذه الكلمة يَسَعُهُ أيضاً أن ينطقَ بِتلْكَ، ولا معارضةَ أبداً بين المعاني بل هي شمولية النظرة، إذ أنَّكَ تقف على أرضيةٍ صلبةٍ، تدينُ بدينِ الحقِّ، إن أخطأتُ أنا اعترفتُ بخطئي، وتلمَّسْتُ البراءة عندَ خالقِ الأرْضِ والسَّماوات، قبلَ أن أثبت براءتي عندَ البشرِ، وإلاَّ فالْبَشَر لا يملكونَ نَفْعاً ولا ضَرًّاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشُوراً.
فلابد من توجيه دعوة كما صنع القرءان مع هؤلاء الذين اتهموا المسلمين بقتلِ عمرو بن الحضرمي. عندما تواتيك الأحداث تتراً، وهي سريعة وكبيرة، لابد من ثباتٍ ورُسوخ، وإلاّ فقد أتى المشركون يومَ الأحزابِ؛ (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) [الأحزاب:10]، تقول هي المهلكة، ما الذي فعلوهُ؟ وما الذي قالوهُ؟ (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب:22]
راجع نفسك مع هذه الأحداث التي تنخلعُ لها القلوب، هل كان حالك كحالةِ الصحابة الكرام؟ وأنت الذي تقول: كل خيرِ في اتباع من سلف، وكلُّ شرِّ في ابتداعِ من خلَف. (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22].
أنت لا تحيا حياة الاكتشافات، أو حياة الاختراعات، عندما تٌتهم أنت، أو أُتهمُ أنا، أو يُتَّهم جموع السَّلَفِيين، هذا مستوعب، وكأنَّ الدنيا نامت نومة طويلة استفاقت منها على جموعٍ هادرة، جعلتها تتساءل متى ولدتم؟ وكيف ولدتم؟!
وكأننا كان لابد أن نحيا حياة الفضائيات منذ اليوم الأول، أو أن نتلمس لأنفسنا هالاتٍ أو نحوِ ذلكَ، هذا فضل اللهِ، بركة منهج، أن يدينَ الناسُ بدينِ اللهِ -تبارَكَ وتعالى-، والمستقبل للإسلامِ بغلبتهِ وَظُهُورِهِ.
كُن ثابتاً، كن راسِخاً عندما تواجه الأحداث، بل هذه علامة صحية عندما يحدث التمايز على مثلِ هذا النحو، عندما ينقسم الناس إلى معسكرين بهذه الكيفية، هذا تمايز لمصلحتي ولمصلحة دعوتي يقول -جل في علاه-: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح:25]؛ أي لو تميَّزواْ، لو تميز الحقُّ عنِ الباطلِ، الأمرُ الذي يتضح يوماً بعدَ آخر، صارت معسكرات؛ معسكر إيماني يقف هنا، ومعسكر علماني وشيوعي ونصراني يقف هناك يحارِبُ دينَ اللهِ من قلبه.
لا بأسَ بذلك، لا مانعَ أبداً من هذا الأمر، إذا كان البعض قد رضي هذا له طريقاً فاثبت أنت على طاعة اللهِ، قل (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).
من نظر للأوضاع على أنها خيرات وبركات؛ ثورة انقشع معها الظلم ورحل معها الطغاة والطواغيت، ما الذي فعلتَه؟ ما الذي أديتَه؟
اعرض نفسك على الآيات البينات، (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41].
أنت ترى نفسك في عافية، في تمكين، رحلَ الخوفُ، ورَحَلَ الطُّغاة والطَّواغيت، ازددتَّ أنتَ طاعة وعبودِيَّة؟ سعيتَ أنتَ في نشرِ الحقِّ في الخلْقِ؟ هذا هو شأنُ الموحدين، هذا شأنُ من مكَّنَ لهم ربنا في الأرضِ، (أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).
وإن نظرتَ لما يحدث على أنَّهُ نوعٌ من الفتنة، فلا بأسَ بذلك، الآيات البينات ما تركت شيئاً إلاَّ ودلَّتكَ علَيْهِ، (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ . كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين) [الفجر:15-18]
الكلُّ مطالب بِأن يعرض نفسه على كتاب الله، وعلى سنة رسولِ الله -صلى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-.
وإلاَّ فالعافيةُ والشدة كلاهما نوعٌ من الابتلاءِ والفتنة، حتى قال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: «ابتُلينا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسَّرَّاءِ فلم نصبرْ»، وقال: «البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، أما العافية فلا يصبر عليها إلاَّ الصِّدِّيقون».
فاللحظة التي نعيشها الكلُّ مختبرٌ فيها ومبتلىً، ما الذي ستصنعه؟ ماذا أنت فاعل تجاه هذه اللحظة، هل ارتقيت وارتفعت لمستواها؟ هل سعيتَ في إبلاغ الحق للخلق؟ قد تكون هيَ خاتمتكَ، ونهايتك. والكل يسعى جاهداً لنشرِ دعوته، بل لربما حمل رُوحَهُ على كفهِ، وهو صاحِبُ ضلالةٍ وكفرٍ، أنت صاحِبُ حقٍّ وهُدَىً، فما الذي فعلته؟ ما الذي قدمته؟ أنت نائم نومة طويلة، منتظرا لتطبيق شريعة ولإقامةِ حقٍّ، أنت تحتاجُ لمراجعةٍ، تحتاج لمجاهدة نفسك، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69]
خُذِ الدَّرْسَ من الشرْعِ، من كتابٍ وسنَّة، وإن لم تفعل فخذِ الدرْسَ من الواقعِ من حولك، شباب يبذلون أرواحهم، النصارى يمكثونَ الأيام والليالي، يطالبون بما لا يستحقونه، أو حتى كانواْ يستحقونه، يسهرون الليل الطويل رجال ونساء، ما الذي فعلته أنت؟ قمت ليلة تستمطر رحمة وتستدفع نقمة، أطلت أنت سجدة، أطلت هذه السجدة تسأل ربك من فوقك، تخيَّرْتَ وقتاً من أوقات الإجابة، ورفعت أكفَّ الضراعة لخالقِ الأرضِ والسموات؟ عساه أن يفرِّجَ كربك ويقضي حاجتك.
أمرنا -جلَّ وعلا- بالدعاء ووعدنا الإجابة، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغلهُ بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدكَ، اللهم خالف بين كلمتهم وألقِ في قلوبهم الرُّعبَ.
اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر عبادك المجاهدين في كلِّ مكان، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم سدد رميهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
وفق اللهُ الجميع لما يحب ويرضى.
وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.